محمد بن علي الشوكاني
5384
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
فالحاصل أن خصلتي الصبر والحلم يجتمعان في كون كل واحدة منها خصلة فاضلة موجبة للأجر ، محبوبة إلى الله وإلى رسوله ، وأما مقدار الأجر والثواب فالصبر أكثر أجرا وأوسع جزاء ، وأعظم مثوبة . والله أعلم . فإن قلت : المفهوم [ 2 أ ] الثاني الذي ذكره صاحب التعريفات للحلم وهو قوله : وقيل : تأخير مكافأة الظالم ، ما النسبة بينه وبين المعنى الأول من معنيي الحلم الذي ذكره ؟ قلت : الظاهر أن هذا المفهوم هو بالنسبة إلى الله تعالى ( 1 ) ، كما أن المعنى الأول هو بالنسبة إلى البشر ، كما يفيد ذلك ما تقدم ذكره . وعلى فرض أنهما بالنسبة إلى البشر فلعل النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه ، لأن الطمأنينة عند سورة الغضب قد تكون مع مكافأة متأخرة ، وقد يكون لا تقع مكافأة أصلا ، وتأخير المكافأة قد تكون مع حضور غضب عند الابتداء ، وقد لا يكون مع ذلك ، فكان بينهما عموم وخصوص من وجه . فإن قلت : ما النسبة بين هذا المعنى الأخير الذي ذكره صاحب التعريفات للحلم ، وبين المعنى اللغوي ؟ قلت : العموم والخصوص المطلق ، فإن الأناة والعقل قد تتأخر معهما المكافأة ، وقد لا تقع مكافأة بخلاف تأخير المكافأة ، فإنه نوع من الأناة ولا يصح أن يوجد بدونها ،
--> ( 1 ) أما اتصاف الله سبحانه بالحلم بمعنى البراءة عن الطيش فمعلوم بالبرهان المؤدي إلى معرفة كمال الله تعالى ، وأما اتصافه بالحلم بمعنى تأخير العقوبة أو رفعها ، فأحدهما معلوم بالمشاهدة ، والثاني بالموارد النقلية وإجماع أهل الملة الحنيفية ، أما تأخير العقوبة في الدنيا عن الكفرة والفجرة من أهل العصيان فمشاهد بالعيان ، لأنا نراهم يكفرون ويعصون ، وهم معافون في نعم الله يتقلبون ، وأما رفع العقوبة في الأخرى فلا يكون مرفوعًا إلا عن بعض من استوجبها من عصاة الموحدين ، وأما الكفار فلا مدخل لهم في هذا القسم ولا لهم في الآخرة حظ من هذا الاسم . " الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " ( ص 97 ) .